الأحد 2022/11/27
(العالم) ...... حق التعبير أم حوارٌ منفلت


حق التعبير أم حوارٌ منفلت

د. نوفل أبو رغيف

      لا بد من الاعتذار بدءاً، عما سيردُ من توصيفات وعبارات قد لا تبدو جزءاً من نسق الكتابة الهادئ الذي نحاول اختياره على نحو دائم، لكنها مساحةٌ مما يستدعيه المقام وتفرضه طبيعةُ مخرجات الانفتاح الإعلامي غير الدقيق وغير المنضبط غالباً، وأكثر ما تحمله هذه المساحة هو ما يعج به المشهد السياسي؛ إذ بات يفضي إلى فوضى غير مسبوقة، فقد يخيل لبعض الأعضاء (في كل دورة برلمانية) ممن ينتمي إلى الطبقتين السياسية والإعلامية في سباق (ماراثون) التدافع الديمقراطي، إمكانيةَ الدخول والسيطرة المطلقة والتأثير في  عوالم الرأي العام وصناعة الرؤى والقناعات والترويج لها, عبر اصطناعهم أُطُراً منفعلةً تتوسل البهرجةَ سبيلاً في الظهور وتحقيق إبهارٍ متُوهَّمٍ سرعان ما يتقهقر ويتوارى بانقضاء لحظته الزمنية، التي ظن أصحابها خطأً بأنها طويلة الأمد عظيمة التأثير, إذ  يرشَحُ من المشهد الإعلامي الحالي، ومنذ عقد ونصف العقد من زمن التغيير، كما في المشهدين السياسي والثقافي، صخبٌ يصل حد الازعاج في أحيان كثيرة يُخيَّلُ لمن يزاوله بأن الحديثَ المنفعلَ قصداً ، واجتذابَ المتلقي عبر الصياح والأداء الخطابي عالي النبرة، وتخوين من يختلف بتهمٍ مُعَدَّة يتم استدعاؤها عند الحاجة وإلصاقها بالآخر، سيجعل من أصحابه رقماً مهماً أو صوتاً مؤثراً.
    إن اللجوء إلى عباراتٍ قاسيةٍ ومصطلحاتٍ هابطةٍ وألفاظ نابيةٍ وإسقاطات منفلتة، توهمُ من يوردها عبثاً، بأن ذلك سيوفرُ له مساحةً تسلط فيها الضوء عليه أو تتيح الظهور تحت عناوين الهم الوطني المتعددة (ادعاءً وزعماً)، ممزوجاً بإظهار الحرص والتباكي والتنصل من الحقائق القارّة في الوجدان العام، لكنها قطعاً مساحةُ ضوءٍ مؤقتةٌ، قد يتلقى أصحابها إقرارا آنياً من طبقةٍ تشتركُ بالضرورة معه أو مع من يقترحون هذا النوع من الأداء، ويحاولون توسيعَ رقعته وتشويهَ مساحةٍ أكبر ممن ألف هذا النسقَ من الظهور الذي يثير في الأوساط انتباها وشدّاً آنيين، وهو بقدر ما ينطوي على الجذب والتحريض والفرقعة، إلا إنه أقرب إلى (التهريج) منه إلى الأداء الإعلامي، ولذا فإنَهُ سيتحول سريعاً إلى سببٍ للنفور والإعراض، وسيسهم بفاعليةٍ أعلى في إفساد الذائقة وحرف بوصلة المتحدث عن المهمة الجليلة التي ينبغي أن تكون على رأس الأولويات الوطنية لديه، وهنا تتضاعف المسؤولية للنخب الثقافية التي توجب عليها مسؤوليتُها الأخلاقية والثقافية أن تُشكِّلَ مصداتٍ قويةً في وجه أيةِ قفزات أو شطحاتٍ تعمدُ إلى نسيانهم قسراً، أو استغفالهم على نحو ما ينحوه هؤلاء.
إنَّ ظاهرة الزعيق في الفضائيات والمنابر العامة، وفي كل حّيزٍ يمكن أن يشغله هؤلاء صدفةً أو قصداً، وحجم الشتائم والتنكيل والتعريض وخلط الأوراق من أجل إحداث الصخب والجَلَبَة والالتفات إلى ما هم فيه، باتت ملمحاً سلبياً يتمظهرُ على المشهد السياسي أكثرَ من سواه (بوصفه سوقاً رائجةً) في مستوياته المتفاوتة، ويدعو إلى النفور ويسبب الانزعاج لما يكرسُهُ من احساس بالخيبةِ والاحباط لدى جمهورٍ يعاني أصلاً من قطيعة تتسع باطراد مع قطاع عريض من الطبقة السياسية (المتآكلة أصلاً) بأثر إسقاطات عُقدة ثنائية (الداخل والخارج ) من جهة، وثنائية (الشباب والشيوخ) من جهة أخرى، إذ بدا كثيرٌ من المحللين السياسيين والإعلاميين  يقلدونها بنسخةٍ رديئة.
وبينما تتجهُ النخبةُ الواعيةُ والاصواتُ المطمئنةُ والأقلام المسؤولةُ إلى هجرةٍ أقل ما توصف بأنها متزايدة من ( الفيس بوك) إلى وسائل تواصل أُخرى في تضاريس قبيلة (السوشيل ميديا) نحو (الواتساب والانستكرام والتيلجرام والفايبر واللاين والايمو وغيرها) بحثاً عن مساحة أكثرَ  تصالحاً مع آليات الحوار المنتِج المتوازن، تنسربُ إليها مجدداً (فايروسات) اللغة السلبية وأدوات الزعيق وأمراض الحوار المأزوم، حاملةً معها هاجسَ البحث عن المناخ المتصالح مع الأفكار، وإن كان ضئيلاً بعيداً عن الشخصنات والتصفيات والإسفاف الذي لا يجيد بعضهم سواه.
وهنا يتجدد سؤالٌ دائمُ الحضور حول: ما الذي يدفع بالمرء إلى تجاوز عتباته في التصريح إلى ما هو جانبي لا صلةَ لهُ بالمتن؟ وهل ثمةَ حاجةٌ لذلك، إذا كان المعنيُّ قادرا على توفير مناخ يسعفه في تصدير قناعاته التي يتبناها؟
هل هو ظهور من أجل الظهور فحسب؟
إنها ظاهرةٌ مؤسفةٌ تجدُرُ ملاحقتها نقدياً وإضعافها عملياً، بالإعراض عنها تارةً، وبتفكيكها قرائياً حين يتاح مناخ هادئ، تارةً أخرى.


المشاهدات 2559
تاريخ الإضافة 2020/07/14 - 12:55 AM
آخر تحديث 2022/11/27 - 7:28 PM

محتويات مشابهة
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 909 الشهر 17534 الكلي 731356
تصميم وتطوير